الخميس، 27 سبتمبر 2012

كشكول

 
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : من جعل إلى الله طريقا غير متابعة الرسول للخاصة والعامة فهو كافر بالله ورسوله: مثل من يزعم أن من خواص الأولياء أو العلماء أو الفلاسفة أو أهل الكلام أو الملوك من له طريق إلى الله تعالى غير متابعة رسوله، ويذكرون في ذلك من الأحاديث المفتراة ما هو أعظم الكفر والكذب. كقول بعضهم: إن الرسول صلى الله عليه وسلم استأذن على أهل الصفة، فقالوا: اذهب إلى من أنت رسول إليه. وقال بعضهم: إنهم أصبحوا ليلة المعراج، فأخبروه بالسر الذي ناجاه الله به، وأن الله أعلمهم بذلك بدون إعلام الرسول. وقول بعضهم: إنهم قاتلوه في بعض الغزوات مع الكفار، وقالوا: من كان الله معه كنا معه. وأمثال ذلك من الأمور التي هي من أعظم الكفر، والكذب. ومثل احتجاج بعضهم بقصة الخضر وموسى عليه السلام: على أن من الأولياء من يستغني عن محمد صلى الله عليه وسلم كما استغنى الخضر عن موسى، ومثل قول بعضهم: إن خاتم الأولياء له طريق إلى الله، يستغنى به عن خاتم الأنبياء، وأمثال هذه الأمور التي
كثرت في كثير من المنتسبين إلى الزهد والفقر، والتصوف والكلام والتفلسف. وكفر هؤلاء قد يكون من جنس كفر اليهود والنصارى، وقد يكون أعظم، وقد يكون أخف بحسب أحوالهم. والله سبحانه لم يجعل له أحدا من الأنبياء والمؤمنين واسطة في شيء من الربوبية، والألوهية، مثل ما ينفرد به من الخلق والرزق، وإجابة الدعاء والنصر على الأعداء، وقضاء الحاجات، وتفريج الكربات ؛ بل غاية ما يكون العبد سببا: مثل أن يدعو أو يشفع، والله تعالى يقول: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} ويقول: {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} ويقول: {وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى} وقال تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا، أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا}.
الفتاوى 3/47

خير القرون قرني الذي بعثت فيه ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم لا في الحجاز ولا في الشام ولا في اليمن ولا في العراق ولا في مصر ولا في خراسان أحد من أهل الخير والدين يجتمع على السماع المبتدع لصلاح القلوب ولهذا كرهه الأئمة كالإمام أحمد وغيره وعده الشافعي من إحداث الزنادقة حين قال خلفت ببغداد شيئا أحدثه الزنادقة يسموه التغيير يصدون به الناس عن القرآن أمراض القلب وشفاؤها - (ج 1 / ص 74)

طاعة الرسول

يا مدَّعي حب طه لا تخالفه ……الخُلف يحرم في دنيا المحبينا
أتحب أعداء الحبيب وتدعي حباً له ……ما ذاك في أهانى إمكانِ
وكذا تعادي جاهداً أحبابه ……أين المحبة يا أخ الشيطان
شرط المحبة أن توافق من تحب ……على محبته بلا عصيان



شرط المحبة أن توافق من ... تحب على محبته بلا عصيان
فإذا ادعيت له المحبة مع خلا
... فك ما يحب فأنت ذو بهتان
أتحب أعداء الحبيب وتدعي
... حبا له ما ذاك في إمكان
وكذا تعادي جاهدا أحبابه
... أين المحبة يا أخا الشيطان


قوله سبحانه و تعالى : { فلا و ربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت و يسلموا تسليما } [ النساء : 65 ] أقسم سبحانه بنفسه أنهم لا يؤمنون حتى يحكموه في الخصومات التي بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم ضيقا من حكمه بل يسلموا لحكمه ظاهرا و باطنا و قال ذلك : { الم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك و ما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت و قد أمروا أن يكفروا به و يريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا و إذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله و إلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا } فبين سبحانه أن من دعي إلى التحاكم إلى كتاب الله و إلى رسوله فصد عن رسوله كان منافقا و قال سبحانه : { و يقولون آمنا بالله و بالرسول و أطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك و ما أولئك بالمؤمنين و إذا دعوا إلى الله و رسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون و إن يكن لهم الحق ياتوا إليه مذعنين أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم و رسوله ؟ بل أولئك هم الظالمون إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله و رسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا و أطعنا } [ النور : 47 ـ 51 ] فبين سبحانه أن من تولى عن طاعة الرسول و أعرض عن حكمه فهو من المنافقين و ليس بمؤمن و أن المؤمن هو الذي يقول : سمعنا و أطعنا فإذا كان النفاق يثبت و يزول الإيمان بمجرد الإعراض عن حكم الرسول و إرادة التحاكم إلى غيره مع أن هذا ترك محض و قد يكون سببه قوة الشهوة فكيف بالنقص و السب و نحوه ؟

الصارم المسلول - (ج 1 / ص 59)
قال الإمام أحمد في رواية الفضل بن زياد : نظرت في المصحف فوجدت طاعة الرسول صلى الله عليه و سلم في ثلاثة و ثلاثين موضعا ثم جعل يتلو : { فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة } الآية [ النور : 63 ] و جعل يكررها و يقول : و ما الفتنة ؟ الشرك لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيزيغ قلبه فيهلكه و جعل يتلو هذه الآية : { فلا و ربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم } [ النساء : 65 ]
الصارم المسلول - (ج 1 / ص 59)
و قال أبو طالب المشكاني و قيل له : إن قوما يدعون الحديث و يذهبون إلى رأي سفيان ـ فقال : [ أعجب لقوم سمعوا الحديث و عرفوا الإسناد و صحته يدعونه و يذهبون إلى رأي سفيان و غيره ! قال الله : { فاليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم } [ النور : 63 ] و تدري ما الفتنة ؟ الكفر قال الله تعالى : { و الفتنة أكبر من القتل } [ البقرة : 217 ] فيدعون الحديث عن رسول الله صلى الله عليه و سلم و تغلبهم أهواؤهم إلى الرأي ] فإذا كان المخالف عن أمره قد حذر من الكفر و الشرك أو من العذاب الأليم دل على أنه قد يكون مفضيا إلى الكفر أو العذاب الأليم و معلوم أن إقضاءه إلى العذاب هو مجرد فعل المعصية فإفضاؤه إلى الكفر إنما هو لما قد يقترن [ به ] من استخفاف بحق الأمر كما فعل إبليس فكيف لما هو أغلظ من ذلك كالسب و الانتقاص و نحوه ؟
 و هذا باب واسع مع أنه بحمد الله مجمع عليه لكن إذا تعددت الدلالات تعاضدت على غلظ كفر الساب و عظم عقوبته و ظهر أن ترك الاحترام للرسول و سوء الأدب معه مما يخاف الكفر المحبط كان ذلك أبلغ فيما قصدنا له
 و مما ينبغي أن يتفطن له أن لفظ الأذى في اللغة هو لما خف أمره و ضعف أثره من الشر و المكروه ذكره الخطابي و غيره و هو كما قال و استقراء موارده يدل على ذلك مثل قوله تعالى : { لن يضروكم إلا أذى } [ آل عمران : 111 ] و قوله : { و يسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض } [ البقرة : 222 ]
 و فبما يؤثر عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : [ القر بؤس و الحر أذى ] و قيل لبعض النسوة العربيات : القر أشد أم الحر ؟ فقالت : من يجعل البؤس كالأذى ؟ و البؤس خلاف النعيم و هو ما يشقي البدن و يضره بخلاف الأذى فإنه لا يبلغ ذلك و لهذا قال : { إن الذين يؤذون الله و رسوله } [ الأحزاب : 57 ]
 و قال سبحانه فيما يروي عنه رسوله : [ يؤذيني ابن آدم يسب الدهر ] و قال النبي صلى الله عليه و سلم [ من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله و رسوله ] و قال : [ ما أحد أصبر على أذى يسمعه من الله يجعلون له ولدا و شريكا و هو يعافيهم و يرزقهم ]
 و قد قال سبحانه فيما يروي عنه رسوله : [ يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني و لن تبلغوا نفعي فتنفعوني ] و قال سبحانه في كتابه : { و لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا } [ آل عمران : 176 ] فبين أن الخلق لا يضرونه سبحانه بكفرهم و لكن يؤذونه تبارك و تعالى إذا سبوا مقلب الأمور و جعلوا له سبحانه ولدا أو شريكا و آذوا رسله و عباده المؤمنين ثم إن الأذى لا يضر المؤذي إذا تعلق بحق الرسول فقد رأيت عظم موقعه و بيانه أن صاحبه من أعظم الناس كفرا و أشدهم عقوبة فتبين بذلك أن قليل ما يؤذيه يكفر به صاحبه و يحل دمه
 و لا يرد على هذا قوله تعالى : { لا تدخلوا بيوت النبي ـ إلى قوله ـ إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحي منكم } [ الأحزاب : 53 ] فإن المؤذي له هنا إطالتهم الجلوس في المنزل و استئناسهم للحديث لا أنهم آذوا النبي صلى الله عليه و سلم
 و الفعل إذا آذى النبي من غير أن يعلم صاحبه أنه يؤذيه و لم يقصد صاحبه أذاه فإنه ينهى عنه و يكون معصية كرفع الصوت فوق صوته فأما إذا قصد أذاه و كان مما يؤذيه و صاحبه يعلم أنه يؤذيه و أقدم عليه مع استحضار هذا العلم فهذا الذي يوجب الكفر و حبوط العمل و الله سبحانه أعلم


وَلِهَذَا أَنْزَلَ اللَّهُ لِلْمَحَبَّةِ مِحْنَةً يَمْتَحِنُ بِهَا الْمُحِبَّ فَقَالَ : { قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ } فَلَا يَكُونُ مُحِبًّا لِلَّهِ إلَّا مَنْ يَتَّبِعُ
إقامة الدليل على إبطال التحليل - (ج 4 / ص 371)
وقال :
فَجَعَلَ مَحَبَّةَ الْعَبْدِ لِرَبِّهِ مُوجِبَةً لِاتِّبَاعِ الرَّسُولِ ، وَجَعَلَ مُتَابَعَةَ الرَّسُولِ سَبَبًا لِمَحَبَّةِ اللَّهِ عَبْدَهُ.
قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ : ادَّعَى قَوْمٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ يُحِبُّونَ اللَّهَ ؛ فَطَالَبَهُمْ بِهَذِهِ الْآيَةِ ؛ فَجَعَلَ مَحَبَّةَ الْعَبْدِ لِلَّهِ مُوجِبَةً لِمُتَابَعَةِ رَسُولِهِ وَجَعَلَ مُتَابَعَةَ رَسُولِهِ مُوجِبَةً لِمَحَبَّةِ الرَّبِّ عَبْدَهُ .

قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ ادَّعَى قَوْمٌ أَنَّهُمْ يُحِبُّونَ اللَّهَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ مِحْنَةً لَهُمْ وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ فِيهَا أَنَّ مَنْ اتَّبَعَ الرَّسُولَ فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ وَمَنْ ادَّعَى مَحَبَّةَ اللَّهِ وَلَمْ يَتَّبِعْ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَيْسَ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ يَظُنُّونَ فِي أَنْفُسِهِمْ أَوْ فِي غَيْرِهِمْ أَنَّهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ وَلَا يَكُونُونَ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ

تسلية المصاب

وعن أنس -رضي الله عنه - قال : قال النبي -صلى الله عليه وسلم- : ( إن الله تعالى إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط ) رواه الترمذي وقال : حديث حسن . ( رياض الصالحين /18 الترغيب والترهيب 4/143) . قال تعالى [وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ] {النحل:126 .
ما أحسن الصبر في الدنيا وأجمله*** عند الإله وأنجاه من الجزع
من شد بالصبر كفا عند مؤلمه *** ألوت يداه بحبل غير منقطع
( المستطرف 2/144 )
قال ابن القيم - رحمه الله تعالى - " الصبر باعتبار متعلقه ثلاثة أقسام : صبر على الأوامر، والطاعات، حتى يؤديها , وصبر عن المناهي، والمخالفات، حتى لا يقع فيها , وصبر على الأقدار، والأقضية، حتى لا يتسخطها " العدة / 19 مدارج السالكين 2/156 وانظر : التحفة العراقية /54 طريق الهجرتين /400 مؤلفات السعدي 1/76
وجاء في الحديث ( ولا يحبط جزعُك أجرَك فتندم، واعلم أن الجزع لا يرد شيئا ولا يدفع حزنا وما هو نازل فكان قد ) رواه الحاكم 3/306 والطبراني في الأوسط (83) والكبير 20/155 وابن عساكر في التاريخ 58/449 من حديث معاذ بن جبل - رضي الله عنه - وقال الحاكم : " غريب حسن إلا أن مجاشع بن عمرو ليس من شرط هذا الكتاب " ا.هـ قلت : مجاشع ضعيف ، ومعنى الحديث صحيح .
ضجرُ الفتى في الحادثات مذمَّة *** والصبر أحسن بالرجال وأليق
قال أبو بكر - رضي الله عنه - : " ليس مع العزاء مصيبة، وليس مع الجزع فائدة " ا.هـ رواه ابن عبد البر في التمهيد 19/325 وابن عساكر في التاريخ 30/336
وقال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - : " إن صبرت جرى عليك القدر وأنت مأجور، وإن جزعت جرى عليك وأنت مأثوم " ا.هـ رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق 9/139وأنظر : كنز العمال 15/315 وفيض القدير 4/378 .
واصبر ففي الصبر خير لو علمت به *** لكنت باركت شكرا صاحب النعم
واعلم بأنك إن لم تصطبر كرما *** صبرت قهرا على ما خُط بالقلم
قال يحيى بن زياد - رحمه الله تعالى - : " أما بعد فإن المصيبة واحدة إن صبرت، ومصائب إن لم تصبر " ا.هـ تاريخ دمشق 64/222 .
وقال ابن السماك - رحمه الله تعالى -: " عليكم بتقوى الله والصبر، فإن المصيبة واحدة إن صبر لها أهلها، وهي اثنتان إن جزعوا " ا.هـ شعب الإيمان 7/248 حلية الأولياء 8/208.
وقال ابن القيم - رحمه الله تعالى - : " وأُمر المصاب بأنفع الأمور له وهو الصبر والاحتساب، فإن ذلك يخفف مصيبته، ويوفر أجره، والجزع والتسخط والتشكي، يزيد في المصيبة ويذهب الأجر " ا.هـ مدارج السالكين 2/155وقال السيخ السعدي - رحمه لاله تعالى - : " إن العبد لا بد أن يصاب بشيء من الخوف والجوع , ونقص من الأموال والأنفس والثمرات , وهو بين أمرين : إما أن يجزع ويضعف صبره, فيفوته الخير والثواب , ويستحق على ذلك العقاب , ومصيبته لم تقلع ولم تخف , بل الجزع يزيدها ; وإما أن يصبر فيحظى بثوابها , والصبر لا يقوم إلا على الإيمان ; وأما الصبر الذي لا يقوم على الإيمان كالتجلد ونحوه , فما أقل فائدته , وما أسرع ما يعقبه الجزع , فالمؤمنون أعظم الناس صبرا، ويقينا، وثباتا في مواضع الشدة " ا.هـ تيسير اللطيف المنان /214
لا تيأسن إذا ما ضقت من فرج *** يأتي به الله في الروحات والدلج
وإن تضايق باب عنك مرتتج *** فاطلب لنفسك بابا غير مرتتج

الخميس، 6 سبتمبر 2012

المتأمل في شريعة الإسلام يعلم أنها جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها ، وتعطيل المفاسد وتقليلها.
ولا فسوق : نهي عن المعصية عموما وفي كل حال وبأي جارحة من قول وفعل وعمل.
ولكن جاء لفظ الجدل في القرآن أيضًا في مواضع محمودة، وهي:
- قوله تعالى: (وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [العنكبوت:46]، فهذا جدل بالتي هي أحسن لدعوة اليهود والنصارى إلى الإسلام.
- قوله تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [النحل:125].
وما أنكر أحد من الصحابة قط الجدال في طلب الحق وأما التابعون ومن بعدهم فتوسعوا في ذلك فثبت أن الجدال المحمود هو طلب الحق ونصره ، وإظهار الباطل وبيان فساده ، وأن الخصام بالباطل هو اللدد ، الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم : أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم

والصلاة تزكية: قال الله تعالى: ( إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ( [العنكبوت: 45].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم:((أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدا يغتسل فيه كل يوم خمس مرات ما تقولون ذلك يبقى من درنه؟ قالوا لا يبقى من درنه شيئا. قال: فذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو الله بها الخطايا (6)
والصدقة تزكية: قال الله تعالى: ( خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا ( [التوبة: 103]،
والحج تزكية: قال الله تعالى: ( فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ ( [البقرة: 197]
فالله عز وجل شرع لنا الشرائع من أجل أن تزكو نفوسنا، وأن تصلح دنيانا وآخرتنا، والله عز وجل أغنى وأعز من أن ينتفع بطاعات العباد، أو أن يتضرر بمعاصيهم كما في الحديث القدسي ((يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضرى فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني ))(7). بل العباد أنفسهم يتضررون بمعاصيهم، وهم أنفسهم ينتفعون بطاعاتهم، والله تعالى غني عنهم وعن طاعاتهم قال تعالى:(لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا( [الحج: 37]، ألا ترى أن العباد يذبحون الهدايا والأضاحي ويأكلون لحومها، وهم مع ذلك يتقربون بها إلى الله عز وجل، لأنهم يستجيبون لأمر الله، ويستسلمون لشرعه، فالإيمان والعمل الصالح سبب سعادة الدنيا، أنه سبب سعادة الآخرة قال تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ([النحل: 97] والسعادة سعادة القلوب، والشقاء شقاء القلوب، والقلوب لا تسعد إلا بالله، ولا تطمئن إلا بذكره وطاعته قال تعالى: (الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ([الرعد: 28] فلا تسعد بالمال، و لا تسعد بالجاه، ولا تسعد بالشهرة، والتعاسة والشقاء تلاحقان العبد إذا تعلق القلب بغير الله حبا ورجاء وخوفا وتوكلا، قال النبي صلى الله عليه وسلم(( تعس عبد الدينار، وعبد الدرهم، وعبد الخميصة، إن أعطى رضي وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش )) (8) .


أشهرُ الحجِّ أشهرٌ معلوماتٌ .
{ فَلاَ رَفَثَ } فلا جماع؛ لأنه يفسده . أو فلا فحش من الكلام { وَلاَ فُسُوقَ } ولا خروج عن حدود الشريعة وقيل : هو السباب والتنابز بالألقاب { وَلاَ جِدَالَ } ولا مراء مع الرفقاء والخدم والمكارين : وإنما أمر باجتناب ذلك .
السعدي:والمراد بالأشهر المعلومات عند جمهور العلماء: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة، فهي التي يقع فيها الإحرام بالحج غالبا.
{ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ } أي: أحرم به، لأن الشروع فيه يصيره فرضا، ولو كان نفلا.

وقوله: { فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ } أي: يجب أن تعظموا الإحرام بالحج، وخصوصا الواقع في أشهره، وتصونوه عن كل ما يفسده أو ينقصه، من الرفث وهو الجماع ومقدماته الفعلية والقولية، خصوصا عند النساء بحضرتهن.
والفسوق وهو: جميع المعاصي، ومنها محظورات الإحرام.
والجدال وهو: المماراة والمنازعة والمخاصمة، لكونها تثير الشر، وتوقع العداوة.
ثم أمر تعالى بالتزود لهذا السفر المبارك، فإن التزود فيه الاستغناء عن المخلوقين، والكف عن أموالهم، سؤالا واستشرافا، وفي الإكثار منه نفع وإعانة للمسافرين، وزيادة قربة لرب العالمين، وهذا الزاد الذي المراد منه إقامة البنية بلغة ومتاع.
وأما الزاد الحقيقي المستمر نفعه لصاحبه، في دنياه، وأخراه، فهو زاد التقوى الذي هو زاد إلى دار القرار، وهو الموصل لأكمل لذة، وأجل نعيم دائم أبدا، ومن ترك هذا الزاد، فهو المنقطع به الذي هو عرضة لكل شر، وممنوع من الوصول إلى دار المتقين. فهذا مدح للتقوى.

ثم أمر بها أولي الألباب فقال: { وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الألْبَابِ } أي: يا أهل العقول الرزينة، اتقوا ربكم الذي تقواه أعظم ما تأمر به العقول، وتركها دليل على الجهل، وفساد الرأي.